أرملة مانديلا: نيلسون كان وقورا .. أباً وقائداً وزوجاً وصديقاً

14 فبراير 2018 | عالم | المصدر: هسبريس

840356Grac-a-Machel-veuve-Nelson-Mandela-323480029840356.png

من أقوى اللحظات التي عرفتها القمة العالمية للحكومات في دبي، الأربعاء، جلسة خاصة بعنوان "حياتي مع مانديلا"، حضرتها غراسا ماشيل، أرملة المناضل الإفريقي نيلسون مانديلا، حكت خلالها عن تفاصيل طبعت حياة الراحل وبصمت أيامه بعد السجن.

وقالت ماشيل، التي تترأس صندوق ماشيل للائتمان وقال عنها مانديلا يوماً إنها تجعله يتفتح مثل الزهرة، إن "الحديث بصيغة الماضي عن رمز إنساني بحجم مانديلا صعب"، معتبرةً أن "من يغيّر في حياة الناس لا يغيب"؛ ما جعل كلماتها مؤثرة وهي تتحدث عن رجل طبع تاريخ العالم.

وأوردت ماشيل أنها التقت مانديلا حين كانت تمارس نشاطها الاجتماعي والسياسي، وقالت: "لقائي مع مانديلا كان لقاء الروح والعقل والأمل بالتغيير، وأعتبر أن ما جمعني بهذا الإنسان أكبر من أن أختصره معكم في لحظات، مانديلا يتمتع بصفات الإنسان العظيم، إنه الأب والزوج والقائد والصديق في آن واحد".

وأشارت إلى أن مانديلا كان يرى في الأطفال ما حرمته منه سنوات الاعتقال الطويلة، وكانت العائلة خياره الأول بعد تحريره من السجن، لكنه بعدما رأى أولاده يافعين شَعر بأنه لم ينعم بدور الأب الذي يرافق أطفاله في كل مراحل حياتهم، وهو الذي غادر السجن وعمره أكثر من سبعين عاماً.

لكن ماشيل لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الموقف الصعب، فحين لاحظت ارتباكه في دور الأب اقترحت أن يعيش أحد أحفاده معهم، حتى أصبح الأطفال جزءاً من برامج مانديلا النضالية والسياسية، ليقررا تأسيس صندوق ماشيل للائتمان لرعاية الأطفال وضمان مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لهم.

ماشيل قالت إن حياة مانديلا في المعتقل وحيداً جعلته يقدر قيمة الإنسان وأهمية التواصل مع الناس واحترام اختلافاتهم، وبادر إلى تعلم لغة حراسه ليتمكن من التحدث معهم؛ ما ساعده على بدء عملية التفاوض الناجحة التي خاضها مع ممثلي نظام الفصل العنصري ومكنته من استرداد حقوق شعبه.

وفي أول جلسة تفاوض مع حكومة جنوب أفريقيا، حرص مانديلا على أن تحضر زوجات الرؤساء السابقين للحكومة إلى جانب زوجات المناضلين قادة حركات التحرر، كما وجه دعوة إلى زوجة مؤسس نظام الفصل العنصري ولم تحضر، وحين سأل عن السبب قالوا إنها مريضة، فما كان إلا أن سافر إليها ليطمئن على سلامتها.

وقالت ماشيل إن "لدى مانديلا هالة من الوقار وتواضعه الكبير يزيده وقاراً"، مضيفةً أنه يهتم بالتفاصيل الصغيرة ويحرص على أن يشكر من يعد له الطعام في المطبخ، فيتوجه بنفسه إليهم ويقول لهم غذيتم أرواحنا وليس أجسادنا فقط لأنكم تعدون الطعام بمحبة.

واستحضرت في هذا الصدد إحدى الذكريات عن مانديلا عندما كان في استقبال إحدى ملكات إفريقيا، فلما وصلت لم يكتف بالترحيب بها، بل حرص على مصافحة ومجاملة كل فرد من الوفد الضيف، وخاصةً الطهاة المسؤولين عن خدمة الملكة.

نجاح مانديلا في المفاوضات مع عدوه كان بفضل إيمانه بقضيته وعدالتها؛ الأمر الذي دفع الحكومة إلى التعامل معه بجدية وثقة بعدما أدركت أنه لا يمكن كسر إيمانه، وبعدما رفض عرضاَ يقايض فيه سنوات عمره في السجن بقناعاته، كما رفض أن يدين نضال شعبه مقابل تحريره.

هل أخطأ مانديلا؟ تجيب ماشيل قائلةً: "لا أسميها أخطاءً، لكني أعرف أنه لم يكن مرتاحاً لما آلت إليه الأوضاع الصحية بعد انتشار فيروس نقص المناعة المكتسبة في البلاد، وآنذاك شعر بأنه انشغل كثيراً بشؤون القيادة وتفاصيل بناء الدولة، ودفعه هذا الشعور إلى التوجه نحو المناطق النائية المتضررة وحرص على أن يتلقى الناس العلاج والمساعدة بدون تأخير".

وفي رأي ماشيل، فإن المجتمعات التي خاضت دولها النضال ضد المستعمر تعد أكثر تمكيناً من غيرها، وأكثر تطوراً في علاقاتها الاجتماعية وفي مكانة المرأة على وجه التحديد، لأنها، بحسبها، تصقل هويتها وتحدد اتجاهها بدقة، ولأن "السعادة هي أن نبني عالماً يعيش فيه جميع الناس بكرامة، عالم لا تدار فيه الصراعات من وراء الستار من قبل أناس لا يعانون ويلاتها ولم يجربوا خسائرها".