أشهر رقصة شعبية إسبانية تسحر مزيدا من الأشخاص عبر العالم

20 نوفمبر 2019 | فن و ثقافة | المصدر: هسبريس

تنطفئ الأضواء بينما تتسلط أشعة أفقية على أجزاء من خشبة المسرح الصغير الكائن بمنطقة "كاسا باتاس" الشهيرة باستضافة عروض رقصات الفلامنكو، وسرعان ما تضيء المصابيح ببطء في الوقت الذي ينتظر فيه المتفرجون بفارغ الصبر بدء العرض.

يبدأ عازفو الجيتار في عزف مجموعة من الألحان ببراعة مصحوبة بتصفيق منتظم من مجموعة أخرى من الموسيقيين، وكذلك الضرب على آلة الكاجون، وهي آلة موسيقية تقليدية للنقر.

عندئذ تندفع راقصة بتبختر إلى منتصف خشبة المسرح وهي ترتدي فستانا طويلا مزركشا باللونين الأحمر والأسود مع إزار أبيض اللون، وتضع في شعرها وردة، بينما ينتصب ظهرها ويرتفع رأسها عاليا في شموخ.

وتمد الراقصة أحد ذراعيها فوق رأسها وتبدأ في أداء عرضها الراقص، مستخدمة صاجات مشبوكة في أصابع يديها، كما تستخدم كعبي ونعلي حذائها المخصص للرقص في إحداث النغمات العالية المطلوبة عندما تحتك بأرضية المسرح.

وسرعان ما يرصد المتفرج مشاعر الحب والإثارة المطلة من عينيها، ممزوجة بالحزن والغضب والعاطفة الفياضة، ويجلس المتفرجون في صمت مشوب بالذهول مأخوذين بهذا العرض، الذي تندمج فيه الموسيقى مع الرقص والأغاني لتصير شكلا فنيا متفردا وطاغيا.

ووصفت منظمة العلم والتربية والثقافة (اليونسكو)، التابعة للأمم المتحدة، هذه التعبيرات العاطفية التي تثيرها الآلات الموسيقية وتعبيرات الوجه والإيماءات والحركات والتألم والأصوات المبحوحة للفلامنكو، بأنها مزيج من "الحزن والفرح والأسى والابتهاج والخوف".

وفي عام 2010 أدرجت منظمة اليونسكو رقصة الفلامنكو في قائمتها للتراث الثقافي المعنوي، ومنذ ذلك الحين تم إعلان يوم دولي رسمي للفلامنكو للاحتفال بهذا الفن-الذي يمارس أساسا في الجنوب الإسباني-في 16 نوفمبر من كل عام.

ومن المعتقد أن أصل الفلامنكو يرجع إلى الدمج بين الموسيقى الشعبية الأندلسية وموسيقى قومية "جيتانوس"، أو الرومان الإسبان الذين استوطنوا في الجنوب الإسباني في القرن الخامس عشر، وتعرض أبناء هذه القومية لفترة طويلة للاضطهاد والتهميش، ولم تبدأ أحوالهم في التحسن إلا مع بداية القرن التاسع عشر، عندما كتب الملك رسائل تهدف إلى حماية البعض منهم الذين خدموا في الجيش الفلمنكي.

ويعتقد أن كلمة "فلامنكو" الإسبانية تعني "أبناء قومية الفلاندرز" التي تعيش في بلجيكا، ومع ذلك فمن الممكن أن تكون الرقصة قد تأثرت بالثقافات المغربية والأفريقية وكذلك بثقافة الشمال الإسباني.

غير أن شيئا واحدا أصبح مؤكدا، هو أن رقصة الفلامنكو ما تزال تلقى إقبالا متزايدا بشكل مدهش اليوم، وأصبحت موازية للثقافة الإسبانية مثل مصارعة الثيران في مدينة بامبلونا، ونبيذ ريوخا، وحساء جازباتشو الذي تشتهر به منطقة جنوب أندلوسيا.

ويتدفق كل عام عدد لا يحصى من السياح على مسارح عروض الفلامنكو الجذابة لمشاهدة هذا الفن الإسباني مباشرة، وفي مدريد، على سبيل المثال، توجد الكثير من المسارح التي تقدم عروضا رائعة لهذه الرقصة، يؤديها فنانون وفنانات يتمتعون بالشهرة، وتقدم في بعضها للضيوف أطباق إسبانية شهية.

ووصف ميجويل بوفيدا، مغني الفلامنكو، فنه منذ سنوات، في مقابلة مع مجلة "هوي إس آرتي"، قائلا إن "الفلامنكو عبارة عن موسيقى شعبية، وهو يتمتع بأسلوب بسيط للغاية وإن كان شديد المباشرة والعمق في الوقت ذاته، للتعبير عن الحياة والمشاعر والناس".

وأضاف: "في جمل محدودة العدد فقط من خلال هذا الفن، تتم حكاية قصص رائعة، والتعبير عن عالم بأكمله".

وهذا العالم اليوم تمتزج فيه أساليب موسيقية أخرى مثل الجاز، والبوليرو والتانجو، المنتميين إلى أمريكا اللاتينية، أو إيقاعات قادمة من منطقة الكاريبي، بحيث يصبح فنا مختلفا تماما.

ومن بين نجوم الفلامنكو عازف الجيتار ذو الشهرة العالمية باكو دي لوسيا، الذي توفى عام 2014 وحضر مراسم تشييع جنازته ولي العهد وقتذاك الأمير فيليب.

وقبل توليه العرش ببضعة أشهر، قال الأمير فيليب في تأبين لباكو دي لوسيا، النجم السوبر الذي حمل الفلامنكو الإسباني إلى العالم وأثراه بعناصر من موسيقى الجاز والبلوز، "بموسيقاه جعل من الممكن لنا أن نتخيل عالما أفضل".

وقد يتساءل البعض عن مصدر الصوت العالي القادم من طرقات الأحذية التي ترتديها راقصات الفلامنكو على خشبة المسرح.

والسر في ذلك يرجع إلى وضع كعوب ونعال خشبية خاصة مرصعة بالمسامير، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإصدار هذا الإيقاع الراقص الذي لا تخطئه الأذن، والذي يسحر الفلامنكو به الناس ويفتنهم في مختلف أنحاء العالم.